أحمد بن محمد المقري التلمساني

181

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

قلت : هذه آفة مخالطة الملوك ، فإنّ مولاي الجدّ المذكور كان نزل عن القضاء وغيره ، فلمّا أراد التخلّي إلى ربّه لم يتركه السلطان أبو عنان كما رأيت . وقد ذكر لسان الدين رحمه اللّه تعالى في « الإحاطة » شيوخ مولانا الجدّ ، فلنذكرهم في جزء الجدّ الذي سمّاه « نظم اللآلي ، في سلوك الأمالي » ومنه اختصر لسان الدين ما في « الإحاطة » في ترجمة مشيخته فنقول : قال مولاي الجدّ رحمه اللّه تعالى : فممن أخذت عنه ، واستفدت منه ، علماها - يعني تلمسان - الشامخان « 1 » ، وعالماها الراسخان : أبو زيد عبد الرحمن ، وأبو موسى عيسى ، ابنا محمد بن عبد اللّه ابن الإمام ، وكانا قد رحلا في شبابهما من بلدهما برشك إلى تونس فأخذا بها عن ابن جماعة وابن العطار واليفرني وتلك الحلبة ، وأدركا المرجانيّ وطبقته من أعجاز المائة السابعة ، ثم وردا في أوّل المائة الثامنة تلمسان على أمير المسلمين أبي يعقوب وهو محاصر لها ، وفقيه حضرته يومئذ أبو الحسن علي بن يخلف التنسي ، وكان قد خرج إليه برسالة من صاحب تلمسان المحصورة فلم يعد ، وارتفع شأنه عند أبي يعقوب ، حتى أنه شهد جنازته ، ولم يشهد جنازة أحد قبله ، وقام على قبره ، وقال : نعم الصاحب فقدنا اليوم ، حدّثني الحاج الشيخ بعباد تلمسان أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن مرزوق العجيسي أنّ أبا يعقوب طلع إلى جنازة التنسي في الخيل حوالي روضة الشيخ أبي مدين فقال : كيف تتركون الخيل تصل إلى ضريح الشيخ ؟ هلّا عرضتم هنا لك - وأشار إلى حيث المعراض الآن - خشبة - ففعلنا ، فلما قتل أبو يعقوب وخرج المحصوران أنكرا ذلك ، فأخبرتهما ، فأما أبو زيان - وكان السلطان يومئذ - فنزل وطأطأ رأسه ودخل ، وأما أبو حمّو - وكان أميرا - فوثب وخلّفها ، ولمّا رجع الملك إلى هذين الرجلين اختصّا ابني الإمام ، وكان أبو حمّو أشدّ اعتناء بهما ، ثم بعده ابنه أبو تاشفين ، ثم زادت حظوتهما عند أمير المسلمين أبي الحسن ، إلى أن توفي أبو زيد في العشر الأوسط من رمضان عام أحد وأربعين وسبعمائة بعد وقعة طريف بأشهر ، فزادت مرتبة أبي موسى عند السلطان ، إلى أن كان من أمر السلطان بإفريقية ما كان في أوّل عام تسعة وأربعين ، وكان أبو موسى قد صدر عنه قبل الوقعة ، فتوجّه صحبة ابنه أمير المسلمين أبي عنان إلى فاس ، ثم ردّه إلى تلمسان ، وقد استولى عليها عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيّان ، فكان عنده إلى أن مات الفقيه عقب الطاعون العام . قال لي خطيب الحضرة الفاسية أبو إسحاق إبراهيم بن عبد اللّه بن مالك بن

--> ( 1 ) علماها : مثنى علم ، وهو في الأصل : الجبل . وقد درج العرب على تسمية السيد الذائع الصيت بالعلم . والشامخ : المرتفع . وقد ورد في شعر الخنساء : « كأنه علم في رأسه نار »